يا ربِّ، ما حكمكَ؟ ماذا ترى

يا ربِّ، ما حكمكَ؟ ماذا ترى في ذلك الحلمِ العريضِ الطويلْ؟
قد قام غليومٌ خطيباً، فما أعطاكَ من ملككَ إلا القليل!
شيَّد في جنبكَ ملكاً له ملككَ إن قيسَ إليهِ الضَّئيل
قد وَرَّثَ العالَم حيّاً، فما غادرَ من فجٍّ، ولا من سبيل
فالنصفُ للجرمانِ في زعمه والنصفُ للرومان فيما يقول
يا رَبِّ، قلْ: سيْفُكَ أَم سَيْفُه؟ أيُّهما – ياربِّ – ماضِ ثقيل؟!
إن صدقتْ – يا ربِّ – أحلامه فإنَّ خطْبَ المسلمين الجليل
لا نحنُ جرمانُ لنا حصَّة ٌ ولا برومانَ فتعطى فتيل
يا رَبِّ، لا تنسَ رعاياك في يومٍ رعاياك الفريقُ الذليل
جناية ُ الجهلِ على أهله قديمة ٌ، والجهلُ بئسَ الدليل
يا ليتَ لم نمددْ بشرٍّ يداً وليتَ ظلَّ السلمِ باقٍ ظليل!
جنى علينا عصبة ٌ جازفوا فحسبنا الله، ونعمَ الوكيل!
كُتب في أحمد شوقي | إرسال التعليق

خَطَّتْ يداكَ الرَّوْضَة َ الغَنَّاءَ

خَطَّتْ يداكَ الرَّوْضَة َ الغَنَّاءَ وفرغتَ من صرحِ الفنونِ بناءَ
ما زلتَ تَذهبُ في السُّمُوّ بِركنِهِ حتى تجاوزَ ركنهُ الجوزاءَ
دارٌ من الفنّ الجميلِ تقسَّمَتْ للساهرين رواية ً وراواءَ
كالروْضِ تحتَ الطيرِ أَعجبَ أَيْكُه لَحْظَ العيونِ، وأَعجَبَ الإصغاءَ
ولقد نزلتَ بها ، فلم نرَ قبلها فلكاً جلا شمسَ النهارِ عشاءَ
وتوهَّجَتْ حتى تقلَّب في السَّنا وادي الملوكِ حجارة ً وفضاءَ
فتلفَّتُوا يتهامسون: لعلَّهُ فجرُ الحضارة ِ في البلاد أَضاءَ
تلك المعازفُ في طلولِ بنائهم أكثرنَ نحوَ بنائكَ الإيماء
وتمايلتْ عيدانهنَّ تحية ً وترنَّمَتْ أَوتارُهُنَّ ثناء
يا بانيَ الإيوانِ، قد نسَّقتَهُ وحذوتَ في هندامها الحمراء
أينَ الغريضُ يحلُّهُ أو معبدٌ يتبّوأَ الحجراتِ والأبهاءِ ؟
العبقرِيّة ُ من ضَنائنه التي يحبو بها – سبحانه – من شاءَ
لما بنيتَ الأَيْكَ واستَوْهَبْتَهُ بَعثَ الهَزارَ، وأَرسَلَ الوَرْقاءَ
فسمعتَ من متفرِّدِ الأنعامِ ما فاتَ الرشيدَ، وأَخطأ النُّدَمَاءَ
والفنُّ ريحانُ الملوكِ ، وربّما خَلَدُوا على جَنباتِه أَسماء
لولا أَياديه على أَبنائنا لم نلفَ أمجدَ أمَّة آباءَ
كانت أوائلُ كلِّ قومٍ في العلا أرضاً ، وكنَّا في الفخارِ سماء
لولا ابتسامُ الفنِّ فيما حَوْلَهُ ظَلَّ الوجودُ جَهامة ً وجَفاءَ
جِّدْ من الفنِّ الحياة ِ وما حوتْ تجدِ الحياة َ من الجمالِ خلاءَ
بالفنِّ عالجتِ الحياة َ طبيعة ٌ قد عالجتْ بالواحة ِ الصحراء
تأوي إليها الروحُ من رمضائها فتُصيب ظِلاًّ، أَو تُصادِفُ ماءَ
نبضُ الحضارة ِ في الممالكِ كلِّها يجري السلامة َ أو يدقَ الداءَ
إن صحَّ فهيَ على الزمان صحيحة ٌ أو زافَ كانت ظاهراً وطلاءَ
انظرْ ـ أَبا الفاروقِ ـ غَرْسَك، هل ترى بالغرسِ إلا نعمة ً ونماء ؟
مِنْ حَبّة ٍ ذُخِرَتْ، وأَيدٍ ثابَرَتْ جاءَ الزمانُ بجَنَّة ٍ فَيْحاءَ
وأكنَّتِ الفنّ الجميلَ خميلة ٌ رمتِ الظِّلالَ ، ومدَّتِ الأفياءَ
بذَلَ الجهودَ الصالحاتِ عصابة ٌ لا يَسأَلون عن الجهود جَزاءَ
صحبوا رسولَ الفنِّ لا يألونه حبَّاً ، وصدقَ مودّة ٍ ، ووفاءَ
دفعوا العوائقَ بالثبات ، وجاوزوا ما سرَّ من قَدر الأُمور وساءَ
إن التعاوُنَ قوّة ٌ عُلْوِيَّة ٌ تبني الرجالَ ، وتبدع الأشياءَ
فليهبهمْ ، حاز التفاتك سعيهم وكسا ندِيَّهُمُ سَناً وسَناءَ
لم تبدُ للأبصار إلا غارساً لخالفِ الأجيالِ أو بنَّاءَ
تغدو على الفتراتِ تَرتَجِلُ النَّدَى وتروحُ تصطنعُ اليدَ البيضاءَ
في مَوكِبٍ كالغيْثِ سار ركابُهُ بشراً ، وحلَّ سعادة ً ورخاءَ
أَنت اللِّواءُ التفَّ قومُك حَوْله والتاجُ يجعله الشعوبُ لِواءَ
مِنْ كلِّ مِئْذَنة ٍ سَمِعْتَ مَحَبَّة ً وبكلِّ ناقوسٍ لقيتَ دُعاءَ
يتألفان على الهتافِ ، كما انبرى وترٌ يساير في البنان غناءَ
كُتب في أحمد شوقي | إرسال التعليق

حبَّذا الساحة ُ والظلُ الظليلْ

حبَّذا الساحة ُ والظلُ الظليلْ وثناءٌ في فَمِ الدارِ جميلْ
لم تزلْ تجري به تحت الثَّرى لُجَّة المعروفِ والنَّيْلِ الجزيل
صنعُ إسماعيلَ جلَّتْ يدهُ كلُّ بُنيانٍ على الباني دليل
أَتُراها سُدَّة ً من بابه فتحتْ للخير جيلاً بعدَ جيل ؟
ملعبُ الأيلمِ ، إلاَّ أنَّه ليس حظُّ الجدِّ منه بالقليل
شهدُ الناسُ بها “عائدة ً” وشجى الأجيالَ من “فردي” الهديل
وائتنفنا في ذراها دولة ً ركنها السؤددُ والمجدُ الأثيل
أَينعتْ عصراً طويلاً، وأَتَى دونَ أن تستأنفَ العصرُ الطويل
كم ضفرنا الغارَ في محرابها وعقدناه لسبّاقٍ أَصيل
كم بدورٍ ودِّعتْ يومَ النَّوى وشموسٍ شيِّعتْ يومَ الرحيل
رُبَّ عُرسٍ مَرَّ للبِرِّ بها ماج بالخيرِ والسمحِ المنيل
ضحكَ الأيتامُ في ليلته ومشى يستروحُ البرءَ العليل
والتقى البائسُ والنُّعمى به وسعى المأوى لأبناءِ السبيل
ومن الأَرض جَدِيبٌ ونَدٍ ومن الدُّور جوادٌ وبخيل
يا شباباً حنفاءً ضمهمْ منزلٌ ليس بمذمومِ النزيلْ
يصرِفُ الشبان عن وِرْدِ القَذَى ويُنحِّيهِمْ عن المَرْعَى الوَبيل
اذهبوا فيه وجِيئوا إخوة ً بعضكم خدنٌ لبعضٍ وخليل
لا يضرنَّكمو قلَّته كلُّ مولودٍ وإن جلَّ ضئيل
أَرجفتْ في أَمركم طائفة ٌ تبَّعُ الظنِّ عن الإنصاف ميل
اجعلوا الصبرَ لهم حِيلَتكم قلَّتِ الحيلة ُ في قالَ وقيل
أيريدون بكم أن تجمعوا رقَّة َ الدين إلى الخلقِ الهزيلِ ؟ !
خَلَتِ الأَرضُ من الهَدْي، ومن مرشدٍ للنَّشءِ بالهديِ كفيل
فترى الأسرة َ فوضى ، وترى نشأً عن سنَّة ِ البرِّ يميل
لا تكونوا السَّيْلَ جَهْماً خَشِناً كلَّما عبَّ ، وكونوا السلسبيل
ربَّ عينٍ سمحة ٍ خاشعة ٍ رَوَّت العُشْبَ، ولم تنسَ النخيل
لا تماروا الناسَ فيما اعتقدوا كلُّ نفسٍ بكتابٍ وسبيل
وإذا جئتم إلى ناديكمُ فاطرحوا خلفكمو العِبْءَ الثقيل
هذه ليْلَتُكم في الأُوبِرا ليلة ُ القدرِ من الشهر النبيل
مهرجانٌ طوَّف الهادي به ومشى بين يديه جبرئيل
وتجلتْ أوجهٌ زيَّنها غررٌ من لمحة ِ الخير تسيل
فكأن الليلَ بالفجرِ انجلى وكأن الدارَ في ظلِّ الأصيل
أَيها الأَجوادُ لا نجزيكمُ لذَّة ُ الخيرِ منَ الخيرِ بديل
رجلُ الأُمّة ِ يُرجَى عندَه لجليل العملِ العونُ الجليل
إم داراً حُطتمُوها بالنَّدى أخذتْ عهدَ النَّدى ألاَّ تميل
كُتب في أحمد شوقي | إرسال التعليق

بني القبطِ إخوانُ الدُّهورِ ، رويدكم

بني القبطِ إخوانُ الدُّهورِ ، رويدكم هبوه يسوعاً في البريّة ِ ثانيا
حملتمِ لحكمِ اللهِ صلبَ ابنِ مريمٍ وهذا قضاءُ الله قد غالَ غاليا
سديدُ المرامِي قد رماه مُسَدِّدٌ وداهية ُ السُوَّاسِ لاقى الدَّوَاهيا
وواللهِ ، لو لم يطلقِ النارَ مطلقٌ عليه، لأَوْدَى فجأَة ً، أَو تَداوِيا
قضاءٌ، ومِقدارٌ، وآجالُ أَنفُسٍ إذا هي حانت لم تُؤخَّرْ ثوانيا
نبيدُ كما بادت قبائلُ قبلنا ويبقى الأنامُ اثنينِ : ميتاً ، وناعياً !
تعالوا عسى نطوي الجفاءَ وعهده وننبذُ أسبابَ الشِّقاقِ نواحيا
أَلم تكُ مصرٌ مهدَنا ثم لَحْدَنا وبينهما كانت لكلِّ مغانيا ؟
ألم نكُ من قبل المسيحِ ابن مريمٍ و موسى وطه نعبُدُ النيلَ جاريا؟
فَهلاَّ تساقيْنا على حبِّه الهَوَى وهلاَّ فديْناه ضِفافاً ووادِيا؟
وما زال منكم أَهلُ وُدٍّ ورحمة ٍ وفي المسلمين الخيرُ ما زالَ باقيا
فلا يثنِكم عن ذمَّة قتلُ بُطرُسٍ فقِدْماً عرفنا القتلَ في الناس فاشيا
كُتب في أحمد شوقي | إرسال التعليق

عظيمُ الناسِ من يبكي العظاما

عظيمُ الناسِ من يبكي العظاما ويَندُبُهُم ولو كانوا عِظاما
وأَكرَمُ من غمامٍ عندَ مَحْلٍ فتى ً يُحيي بمدحتِهِ الكراما
وما عُذرُ المقصِّر عن جزاءٍ وما يَجزِيهُمُ إلا كلاما؟!
فهل من مُبلِغٍ غليومَ عنِّي مقالاً مُرْضِياً ذاك المقاما؟
رعاكَ الله من ملكٍ هُمامٍ تعهَّدَ في الثَّرَى مَلِكاً هُماما
أَرى النِّسيانَ أَظمأَه، فلمَّا وقفتَ بقبرهِ كنتَ الغماما
تقرِّبُ عهدهُ للناسِ حتى تركتَ الجليلَ في التاريخِ عاما
أتدري أيَّ سلطانٍ تحيِّي وأَيَّ مُملَّكٍ تُهدي السَّلاما؟!
دَعَوْتَ أَجَلَّ أَهلِ الأَرضِ حَرْباً وأَشرفَهم إذا سَكنوا سَلاما
وقفتَ به تذكّرهُ ملوكاً تعوَّدَ أن يلاقوهُ قياما !
وكم جَمَعَتْهُمُ حربٌ، فكانوا حدائدها ، وكان هو الحسما
كلامٌ للبريّة دامياتٌ وأَنتَ اليومَ مَنْ ضَمَدَ الكِلاما
فلما قلتَ ما قد قلتَ عنه وأَسمعتَ الممالكَ والأناما
تساءلتِ البريّة ُ وهيَ كلمى أَحُبّاً كان ذاكَ أَمِ انتقاما؟
وأَنتَ أَجلُّ أَن تُزرِي بِميْتٍ وأَنْتَ أَبرُّ أَن تُؤذِي عظاما
فلو كان الدوامُ نصيبَ ملكٍ لنالَ بحدِّ صارمهِ الدواما
كُتب في أحمد شوقي | إرسال التعليق

سما يناغي الشهبا

سما يناغي الشهبا هل مسَّها فالتهبا ؟
كالدَّيدبانِ ألزمو هُ في البحار مرقبا
شيع منه مركبا وقام يلقي مركبا
بشر بالدار وبال ـأَهلِ السُّراة الغُيَّبا
وخَطَّ بالنُّور على لوْحِ الظلام: مَرْحَبَا
كالبارق المُلِحِّ لم يولِّ إلا عقَّبا
يا رُبَّ ليلٍ لم تَذُقْ فيه الرقاد طربا
بتنا نراعيه كما يرعى السُّراة الكوكبا
سعادة ٌ يعرفها في الناس من كان أَبَا
مَشَى على الماءِ، وجا ب كالمسيح العببا
وقام في موضعه مُستشرِفاً مُنَقِّبا
يرمي إلى الظلام طر فاٌ حائراٌ مذبذبا
كمبصرٍ أدار عي ناٌ في الدجى ، وقلِّبا
كبصر الأَعشى أَصا ب في الظلام ، ونبا
وكالسراج في يَدِ الـ ـريح، أضاءَ، وخَبا
كلمحة ٍ من خاطرٍ ما جاء حتى ذهبا
مجتنبُ العالم في عُزلته مُجْتَنَبا
إلا شراعاً ضلَّ ، أو فُلْكاً يُقاسي العَطَبا
وكان حارس الفنا رِ رجُلاً مُهذَّبا
يهوى الحياة ، ويحبَّ العيش سهلاً طيِّبا
أتت عليه سنوا تٌ مُبْعَداً مُغْتَرِبا
لم يَرَ فيها زَوْجَهُ ولا ابنَه المحبَّبا
وكان قد رعى الخ طيبَ ، ووعى ما خطَبا
فقال : يا حارسُ ، خلٍّ السُّخط والتعتُّبا
من يُسعِفُ الناسَ إذا نُودِي كلٌّ فأَبى ؟
ما الناس إخوتي ولا آدمُ كان لي أبا
أنظر إليَّ ، كيف أق ضي لهم ما وجَبا ؟
قد عشتُ في خِدمتهم ولا تراني تعبا
كم من غريقٍ قمت عند رأسه مطبَّبا
وكان جسماَ هامداً حرّكتهُ فاضطربا
وكنت وطَّأت له مَناكبي، فرَكبا
حتى أتى الشطَّ ، فب شَّ من به ورحَّبا
وطاردوني ، فانقلب تُ خاسراَ مخيٍّبا
ما نلت منهم فضة َ ولا منحت ذهبا
وما الجزاء ؟ لا تسل كان الجزاءُ عجبا!
ألقوا عليّ شبكا وقطَّعوني إربا
واتخذ الصٌّنَّاع من شَحميَ زَيْتا طيِّباً
ولم يَزَلْ إسعافُهم ليَ الحياة َ مذهبا
ولم يزل سَجِيَّتي وعملي المُحبَّبا
إذا سمعتُ صرخة ً طرتُ إليها طربا
لا أَجِدُ المُسْعِفَ إلا ملكاً مقرَّبا
والمسعفون في غدٍ يؤلفون مَوْكبا
يقول رِضوانُ لهم هيَّا أدخلوها مرحبا
مُذنِبُكم قد غَفَر اللهُ لهُ ما أذنبا
كُتب في أحمد شوقي | إرسال التعليق

فديناهُ منزائرٍ مرتقبْ

فديناهُ منزائرٍ مرتقبْ بدا للوجودِ بمرأى عجبْ
تَهُزُّ الجبالَ تَباشيرُهُ كما هَزَّ عِطفَ الطَّروبِ الطَّرَب
ويُحْلِي البحارَ بلألائهِ فمِنَّا الكؤوسُ، ومنه الحبَب
منارٌ الحزونِ إذا ما إعتلى منارُ السهولِ إذا ما إنقلب
أتانا من البحرِ في زورقٍ لجيناً مجاذيفهُ من ذهب
فقلنا: سُليمانُ لو لم يَمُتْ وفرعونٌ لو حملتهُ الشُّهب
وكِسرَى وما خَمَدتْ نارُه ويوسُفُ لو أنه لم يشِبْ
وهيهاتَ! ما توجوا بالسَّنا ولا عرشهم كان فوقَ السُّحب
أنافَ على الماءِ ما بينها وبينَ الجبالِ وشُمِّ الهضب
فلا هو خافٍ، ولا ظاهرٌ ولا سافرٌ، لا، ولا مُنتقِب
وليس بِثَاوٍ، ولا راحلٍ ولا بالبعيدِ، ولا المقترب
تَوارَى بِنصفٍ خلالَ السُّحُبْ ونصفٌ على جبلٍ لم يغب
يجدِّدها آية ٍ قد خلت ويذكرُ ميلادَ خيرِ العرب
كُتب في أحمد شوقي | إرسال التعليق